فخر الدين الرازي
112
تفسير الرازي
ونحن نقول إن قوله للشيء الحادث حادث لأنه مع التعلق ، وإنما القديم قوله وكلامه لا مع التعلق وكل قديم وحادث إذا نظرت إلى مجموعهما لا تجدهما في الأزل وإنما تجدهما جميعاً فيما لا يزال فله معنى الحديث ولكن الإطلاق موهم ، فتفكر جداً ولا تقل المجموع حادث من غير بيان مرادك ، فإن ذلك قد يفهم منه أن الجميع حادث ، بل حقق الإشارة وجود العبارة وقل أحد طرفي المجموع قديم والآخر حادث ولم يكن الآخر معه في الأزل ، وأما قوله : * ( كن ) * من الحروف ، نقول الكلام يطلق على معنيين أحدهما : ما عند المتكلم والثاني : ما عند السامع ، ثم إن أحدهما يطلق عليه أنه هو الآخر ومن هذا يظهر فوائد . أما بيان ما ذكرناه ، فلأن الإنسان إذا قال لغيره عندي كلام أريد أن أقوله لك غداً ، ثم إن السامع أتاه غداً وسأله عن الكلام لذي كان عنده أمس ، فيقول له : إني أريد أن تحضر عندي اليوم ، فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عندك أمس ولم يكن عند السامع ، ثم حصل عند السامع بحرف وصوت ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي ، ويعلم كل عاقل أن الصوت لم يكن عند المتكلم أمس ولا الحرف ، لأن الكلام الذي عنده جاز أن يذكره بالعربي فيكون له حروف ، وجاز أن يذكره بالفارسية فيكون له حروف أخر ، والكلام الذي عنده ووعد به واحد والحروف مختلفة كثيرة ، فإذاً معنى قوله هذا ما كان عندي ، هو أن هذا يؤدي إليك ما كان عندي ، وهذا أيضاً مجاز ، لأن الذي عنده ما انتقل إليه ، وإنما علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو إشارة ، إذا علمت هذا فالكلام الذي عند الله وصفة له ليس بحرف على ما بان ، والذي يحصل عند السامع حرف وصوت وأحدهما الآخر لما ذكرنا من المعنى وتوسع الإطلاق ، فإذا قال تعالى : ( يقول له ) حصل قائل وسامع . فاعتبرها من جانب السامع لكون وجود الفعل من السامع لذلك القول فعبر عنه بالكاف والنون الذي يحدث عند السامع ويحدث به المطلوب . ثم قال تعالى : * ( فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * لما تقررت الوحدانية والإعادة وأنكروها وقالوا : بأن غير الله آلهة ، قال تعالى وتنزه عن الشريك : * ( الذي بيده ملكوت كل شيء ) * وكل شيء ملكه فكيف يكون المملوك للمالك شريكاً ، وقالوا : بأن الإعادة لا تكون ، فقال : وإليه ترجعون ) * رداً عليهم في الأمرين ، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله : سبحان ، أي سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السماوات والأرض تسبيح الذي * ( فسبحان ) * علم للتسبيح ، والتسبيح هو التنزيه ، والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت ، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام ، ومن قال هو فعلول جعلوه ملحقاً به .